
في عَالَمٍ يَضِجُّ بِالضَّوضَاءِ وَالسُّرْعَةِ، هُنَاكَ مَرْفَأٌ هَادِئٌ، هُوَ قَلْبُ أُمِّي. إِنَّهَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ أُمٍّ، بَلْ هِيَ الْأُسْطُورَةُ الَّتِي تَحْيا بَيْنَنَا، شَخْصِيَّةٌ مِنْ أَرْوَعِ الْحِكَايَاتِ الَّتِي تُروَى عَنْ الْأُمَّهَاتِ. لَمْ تَكُنْ حَيَاتُهَا مُجَرَّدَ مَجْمُوعَةٍ مِنَ اللَّحَظَاتِ؛ بَلْ هِيَ قَصِيدَةٌ تَتَرَاقَصُ كَلِمَاتُهَا فِي فَضَاءِ رُوحِيٍّ.
حِينَ أَنْظُرُ إِلَى أُمِّي، لَا أَرَى مُجَرَّدَ إِمْرَأَةٍ؛ أَرَى قَلْبًا يَنْبُضُ بِالْحُبِّ وَالتَّضْحِيَةِ. مِنْ بَيْنِ كُلِّ الْأَبْطَالِ الَّذِينَ مَرُّوا عَلَى هَذِهِ الْأَرْضِ، تَظَلُّ هِيَ الْبَطَلَةَ الَّتِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يُنَافِسَهَا أَحَدٌ. لَيْسَ بَطَلُهَا تِلْكَ الشَّجَاعَةُ الْجَسَدِيَّةُ الَّتِي نَرَاهَا فِي الْأَفْلَامِ، بَلْ هُوَ ذَلِكَ النَّوْعُ الْعَمِيقُ، النَّادِرُ، الَّذِي يَظْهَرُ فِي التَّفَاصِيلِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي يَمُرُّ بِهَا كُلُّ يَوْمٍ دُونَ أَنْ نَلْتَفِتَ إِلَيْهَا.
أَتَذَكَّرُ كَيْفَ كَانَتْ تَسْتَيْقِظُ فِي سَاعَاتِ الْفَجْرِ الْأُولَى، تَتَسَلَّلُ إِلَى الْمَطْبَخِ بِصَمْتٍ كَنَسْمَةٍ رَقِيقَةٍ. كَانَ ضَوْءُ الصَّبَاحِ يَنْعَكِسُ عَلَى وَجْهِهَا، كَأَنَّهُ يُكَرِّمُ تَضْحِيَتَهَا. تُعِدُّ لَنَا الْفُطُورَ كَأَنَّهَا تَصْنَعُ السَّعَادَةَ بِيَدَيْهَا. كُلُّ قِطْعَةِ خُبْزٍ، كُلُّ مَلْعَقَةٍ مِنَ الْعَسَلِ، تُشْعِرُنِي أَنَّنِي مُحَاطٌ بِحُبٍّ لَا يَنْتَهِي. كَانَتْ تَضَعُ كُلَّ مُكَوِّنٍ بِحَذَرٍ، كَأَنَّهَا تَصْنَعُ عُنَاقًا دَافِئًا لِقُلُوبِنَا. فِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ، كُنْتُ أَشْعُرُ أَنَّنِي الْمَلِكُ فِي مَمْلَكَةٍ لَا يَحُدُّهَا شَيْءٌ، وَأَنَّ أُمِّي هِيَ الْعَرْشُ الَّذِي يَجْمَعُنِي بِسَلَامٍ.
لَمْ تَكُنْ أُمِّي مُجَرَّدَ إِمْرَأَةٍ تُنَظِّمُ حَيَاتَنَا، بَلْ كَانَتْ الْمَمَرَّ الْآمِنَ الَّذِي أَعْبُرُ مِنْهُ إِلَى الْحَيَاةِ. فِي اجْتِمَاعَاتِ الْمَدْرَسَةِ، كَانَتْ نَظَرَاتُ الْفَخْرِ الَّتِي تُلْقِيهَا عَلَيَّ تَجْعَلُنِي أَشْعُرُ كَأَنَّنِي أَمْتَلِكُ الْعَالَمَ. كَانَتْ تَحْمِلُ لَوْحَاتِي الْبَسِيطَةَ، الَّتِي تَفُوقُ قِيمَتُهَا الرَّسْمَاتِ، لِتُؤَكِّدَ لِي أَنَّنِي، مَهْمَا كُنتُ صَغِيرَةً، أَسْتَحِقُّ كُلَّ الْحُبِّ وَالِاعْتِبَارِ فِي عَيْنَيْهَا.
لَكِنْ، وَرَاءَ تِلْكَ الْابْتِسَامَةِ الْبَهِيَّةِ، كَانَتْ تُخْفِي قَسْوَةَ الْأَيَّامِ. كَمْ مِنْ مَرَّةٍ رَأَيْتُهَا تَبْكِي فِي صَمْتٍ، تَمْسَحُ دُمُوعَهَا بِحَذَرٍ حَتَّى لَا يَشْعُرَ بِهَا أَحَدٌ. أُمِّي كَانَتْ هِيَ الشَّمْعَةُ الَّتِي تَضِيءُ فِي أَحْلَكِ الْأَوْقَاتِ، لَكِنَّهَا كَانَتْ تَذُوبُ شَيْئًا فَشَيْئًا لِتُضِيءَ دُرُوبَنَا. كَانَتْ تَجْلِسُ مَعِي فِي لَيَالِي الشِّتَاءِ، تَحْتَضِنُنِي، وَتَرْوِي لِي حِكَايَاتٍ عَنْ الْأَمَلِ وَالشَّجَاعَةِ. كَانَتْ كُلُّ كَلِمَةٍ مِنْهَا كَدَوَاءٍ يُهَدِّئُ الْجِرَاحَ، يَجْعَلُنِي أَشْعُرُ أَنَّنِي لَسْتُ وَحِيدًا فِي مَعْرَكَةِ الْحَيَاةِ.
لَقَدْ شَهِدْتُ كَيْفَ كَانَتْ تَعْمَلُ بِلَا كَلَلٍ، تَبْذُلُ جُهْدَهَا لِتُؤَمِّنَ لَنَا كُلَّ مَا نَحْتَاجُهُ. كَانَتْ تَسْهَرُ حَتَّى سَاعَاتِ الْفَجْرِ، تَدْرُسُ، وَتَعْمَلُ، وَتَخِيطُ أَحْلَامَهَا وَأَحْلَامَنَا مَعًا. إِنَّهَا تِلْكَ الْمَرْأَةُ الَّتِي لَا تَنْتَظِرُ الشُّكْرَ أَوِ الِاعْتِرَافَ، لِأَنَّهَا بِبَسَاطَةٍ، تَمْلُكُ فِي قَلْبِهَا كُلَّ الْحُبِّ الَّذِي يَمْلَأُ الْكَوْنَ.
كَمْ مَرَّةً رَأَيْتُ أُمِّي تَقُومُ بِكُلِّ الأَدْوَارِ فِي آنٍ وَاحِدٍ؟ أُمٌّ، أُخْتٌ، صَدِيقَةٌ، مُلْهِمَةٌ، وَسَنَدٌ. كَانَتْ دَائِمًا قَادِرَةً عَلَى الجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الأَدْوَارِ بِابْتِسَامَةٍ، كَأَنَّهَا وُلِدَتْ لِتَكُونَ لِكُلِّ مِنَّا مَا نَحْتَاجُهُ. وَإِذَا كَانَتْ هُنَاكَ أَيُّ كَلِمَةٍ تَصِفُهَا، فَهِيَ المَلِكَةُ الحَقِيقِيَّةُ. تِلْكَ المَلِكَةُ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ تَاجًا وَلَا عَرْشًا، لِأَنَّ مَكَانَهَا الحَقِيقِيَّ هُوَ فِي قُلُوبِنَا.
اليوم، وأنا أُحَقِّقُ أَحْلَامِي، أُدْرِكُ أَنَّ كُلَّ خُطْوَةٍ خَطَوْتُهَا كَانَتْ بِتَوْجِيهِهَا. كُلُّ نَجَاحٍ، كُلُّ إِنْجَازٍ، هُوَ ثَمَرَةُ تَضْحِيَاتِهَا. أَشْعُرُ بِحُضُورِهَا فِي كُلِّ إِنْجَازٍ، كَأَنَّهَا تَضَعُ يَدَيْهَا خَلْفِي، تَدْفَعُنِي لِلْأَمَامِ بِلمَسَتِهَا الْحَانِيَةِ. أَرَاهَا فِي كُلِّ إِنْجَازٍ صَغِيرٍ، فِي كُلِّ نَجَاحٍ، تَشَجِّعُنِي بِلَا كَلِمَاتٍ، فَقَطْ بِحُضُورِهَا الَّذِي يَمْلَأُ الْفَرَاغَ.
يَا أُمِّي، أَنتِ أَكْثَرُ مِنْ مُجَرَّدِ أُمٍّ، أَنتِ الْقُوَّةُ الَّتِي تُحَرِّكُنِي، النُّورُ الَّذِي لَا يَنْطَفِئُ. أَنتِ الْحِكَايَةُ الَّتِي أَرْوِيَهَا لِكُلِّ مَنْ يَسْأَلُنِي عَنْ بَطَلِي فِي الْحَيَاةِ، وَأَنَا أُجِيبُ بِفَخْرٍ: أُمِّي.