مبروك للفائزين!الجمهور العام
شكرًا على مشاركتكم. أنتم أبطالنا!
الأردن|الجمهور العام
بطل.. وأثَر
وسام أيوب
تأليف وسام أيوب
بطل.. وأثَر

الأبطال وإن رحلوا في القلب قاطنون.. يزهرون وينثرون رحيق بطولتهم لنشتمها بل نتنفسها دقاتٍ فينا تنبض.. هم في القبور لكنهم حاشا أن يموتوا في أرواحنا.. كيف وإن كانوا سر ينبوع العطاء الذي فينا يتدفق ليعلن للكون أن بذرة الخير حية.. تمتد سنابل وتثمر بهاءً.

كنتُ في الثانية عشرة من عمري حينما علمتني كيف أغذ الخطى نحو المكتبة أسبوعيا وأكتب خلاصة القراءات وأجمل العبارات لتثري حصيلتي من البلاغة والأدب لأستعد بعدها لمشوار أجمل.
أدركتْ أن القلب المرهف هو مشروع كاتبة صاعدة وأن عمر المراهقة محطة صناعة الإنسان او الكاتب والمبدع.

ما إن أنتهي من واجباتي المدرسية حتى يكون لرفيقي "القلم" النصيبُ الأوفر من وقتي، منتظرةً صباح اليوم التالي لتكتب لي تعليقها تحفيزًا او ملاحظاتٍ تشد عضد الحروف اليانعة، وتهدي القلبَ باقاتِ فرحٍ، فهي ليست معلمتي فحسب، هي قدوتي.. محفزتي.. نافذة أيامي على عالم اشتاق ان اكونه.. عالم إبداع، فمن كان اسمه وسامًا لا يكفيه إلا أن يكون في قمة التميز، فله من اسمه نصيب بلا شك.

حينما تُرزَق بشخص يؤمن بك فقد أوتيت خيرا كثيرًا، لأنك حينها أنيس الشغف ورائد النجاح ومحطة الوصول، وربان الصمود تجدف في بحر التألق الذي لا شاطئ له، تمعن النظر في سماء لا تذبل حروفها، وتتسع سطور طفولتك أعوامًا وضحكاتٍ وسعادةً تغني ذاكرتك لئلا يمسها العمر وخريفه، لتقوى ويكون زادك أكبر من أوجاع الحياة، هو زاد الصامدين الذين لا يعرفون النهاية، هو زاد العاشقين لوطنهم الباذلين له الحرف والحياة والإصرار.

هي بصمتها التي صنعت مني همة تتسابق، ففزت في مسابقات للمقالة والخاطرة وأخرى في الخطابة على مستوى المملكة.

آمنَتْ بي فآمنتُ بنفسي، فلم أَرْضَ بعدها إلا أن أكون.. آمنت بي وعلمتني كيف يبنينا الحب ثم يرمّمنا، ثم يكون كتفنا الذي لا يخذلنا وعكازة صبرنا حينما يتعبنا السقوط، بل صرخة التحدي حينما يلجمنا الإحباط ويفرض علينا الذبول.

من كانت له رسالة لا يرفع راية بيضاء أمام سيوف القهر والعجز، فتِرْسُه إيمان.. وسيفه إرادة لا تعرف المستحيل.
لم تكتفِ بتعليمي كيف أكتب، بل غذّت الروح لتعرف ما تكتب ولمن.. كيف يكون الحبر الأزرق أبيضَ في عالم اتّشح بالسواد.. وكيف تكتسي الحروف نقاء المعنى وتصل إلى القلوب لأنها من القلب تُبنى..
كيف تكون الكلمات بذرتَنا التي تشهد لنا حياةً رغم الموت.
ثم إنها زرعت عشق العربية وأصالتها في فكري، وأنارت لي طريق مستقبل رسمتُه شغفًا بأن أكون معلمة للغة العربية.

تخرجتُ من جامعتي بتقدير امتياز في تخصص اللغة العربية على خطاها أسير.. زرتها يومًا وقد التهم المرض الفتّاك صحتها، لم أرَها متعبة كمثل هذا اليوم.. كان الحديث ثقيلا مرًا كاتمًا دمعَ القلب كما البركان.. وددت لو من عمري أهديها.. أدركت أنه اللقاء الأخير وهكذا كان..
ماتت مني قطعة قلب.. أنفاس لطالما احيتني.. تفاصيل عاشت بي سعادة ولم تفارقني.. بعدها
توقفت الذاكرة فهي كلُها.. حتى نجاحاتي هي بطلتها.. بعدها كما الغريب أقفرت طفولة القلب لأكون عابرة تدرك أنما الحياة أثر..
أمامها عاجزةٌ دموعي.. يمّمت نحو الكعبة لأهديها عُمرة.. وأنادي ربي:
فقيرةٌ عن مكافأة معلمتي، فكافئها عني يارب جنانًا ونعيمًا يمتد كما أثرها..
ثم عاهدت ربي أن كل حرف وإبداع أصنعه ففي ميزانها.. وبفضل الرحمن كنت..  ولسان الضاد بين الطالبات يعيد لي الذكرى.. ومحادثتي معهن بالفصحى وحبها والإبداع في تعليمها يجعلها حية أراها أمامي بابتسامة تعيد لي الوسام.. وبأمل باللقاء الذي لا فراق بعده

البطل ليس من يصنع غرائب وعجائب ويرحل.. البطل من يصنع ابطالا امتدادا له.. امتدادا لفكره وصدقه وهمته..
البطل من تبقى بذرته أجيالا ربما هم لا يعرفونه لكن صدق العطاء شاهد والأرض تشهد.

معلمتي.. أنا لا أبكيك الآن فالرحلة سرعان ما تنتهي، والرسالة لن تتوقف لأن خفقات الشغف تنبض كلما مر طيفك ليذكرني من انا!!
أنا الروح التي ما تهشمت والعبق الممتد..
يا ريحانه العلم وقاموس الارتقاء .. فينا تعيشين فلا يموت الصادقون مسكنهم قلبنا والعيون.. وهناك حيث الخلود سنلتقي.. هناك ربيع الأحبة والصفاء والسكون..
سلام على روحك الطاهرة .. سلام على قلبك الحنون..  سلام على من علمني كيف نكون ونأبى ألا نكون ..
وسلام على من يقرأ حرفي الآن وبعد أن يحل المنون.
ضعيفةٌ بالله تقوى .. وتكمل القصة عطاءً..
           فما نحن إلا عابرون.