
ذلك المخلوق العجيب
حدقت بكل الوجوه التي من حولي، فشدني ذلك الوجه الملائكي الذي كلما نظرت قرأت فيه خارطة فسيفسائية كانت أبرز تفاصيلها طموحاتي وأهدافي، بل نفسي وذاتي، إنه وجه أمي التي كانت ولا زالت المنارة التي أهتدي بها إن ظلت بي الطرقات، وداهمت مسيرتي التحديات العابرة، فهي المثل الأعلى والأسمى في هذا الوجود.
كيف لا وهي علمتني أن استلهم القوه من موطن الضعف، وأن استقي الأمل من عمق اليأس، وأن اتوشح بالإرادة والعزيمة من كل قصه إخفاق فهي التي علمتني أن القلب الطيب والأخلاق الحميدة هي رأس المال الذي بفقده أخسر وأندثر، فأمي قصة نجاح فريدة من نوعها تدرس في المدارس والجامعات، فهي التي حققت ذاتها وإنجازاتها العظيمة ضمن ظروف حياتها الصعبة القاسية فلم تستسلم للفقد وشح ذات اليد، ولم تقف يوما عند معتقداتنا الاجتماعية في ذلك الزمن الغابر حيث كانت الأنثى لا تتغرب عن أهلها وغيرها من معيقات ذلك الزمن وجبروته الذي لا ينتهي، فقد تسلحت بالإرادة والعزيمة فأثبتت بالدليل القاطع أنه (لا يأس مع الأمل ولا أمل مع اليأس)، أمي ذلك المخلوق العجيب لم تكن أمي يوما امرأه عادية بل استثنائية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، فهي ضمن نطاق مخيلتي بطلة قادمة من حكايات ألف ليلة وليلة تجابه كل الصعاب والمعيقات، لم تضعفها نائبات الدهر ولم يخفت من بريقها غبار السنيين.
أمي يا ملهمي الأول، لقد مر شريط العمر سريعا، ولا زلت تلك الطفلة التي تركض من أجل أن تجلس في حضنك الدافئ ؛ هربا من ويلات القدر و وخزات الأيام؛ لأنك الملاذ الآمن والوطن الفسيح الذي يتسع لقلبي حين تضيق به الأيام الصعبة واللحظات المرة في مشوار الحياة الطويل.
أحبك يا أمي حبا لا يسعه مدى هذا الكون الفسيح، فيعجز لساني بكل ما يملك من مفردات أن يقدم وصفا يليق بمقامك السامي في قلبي، فكم أتمنى أن أصبح مثلك يوما ما؛ لأن رسالة الأمومة بكل اختصار ميثاق مقدس به تبنى الأسر وتقوم المجتمعات على أساس من المتانة والقوة والألفة، وأخيرا وصلت إلى محطة كتابتي الأخيرة أكن لك يا قدوتي الأولى والأخيرة الكثير من الامتنان، فأنت أساس البنيان الذي يمدنا بالعزيمة والإصرار، وصوتك مصدر بهجتنا الذي يغرس في نفوسنا دوما أملا بغد مشرق جديد.