
في صباحِ أحدِ الأيّامِ، ذهبتُ معْ أبي لزيارةِ مزرعةِ صديقِهِ، وذهبنا من طريقٍ ترابيٍّ يمرُّ منْ أراضي زراعيّةٍ، وكانَ الغبارُ يتطايرُ منْ أمامِ السّيّارةِ، فسألتُ أبي: لماذا الغبارُ يتطايرُ؟
فأجابني: لأنَّ الأرضَ لمْ تزرعْ منْ زمنٍ بعيدٍ، وقالَ: لقدْ كانتْ هذهِ الحقولُ تزرعُ بالقمحِ، وكانَ أهلُ القريةِ يعتمدونَ على هذا القمحِ في حياتهمْ؛ فلمْ تكنْ المخابزُ منتشرةً مثلَ وقتكمْ الحاضرِ.
قلتُ: يا أبي، منْ أينَ كنتمْ تحصلونَ على الخبزِ؟
قالَ: لقدْ كانَ في كلِّ حارةٍ فرنٌ يسمونهُ فرنُ الطّابونِ، وكانتْ جدّتُكَ ونساءُ الحارةِ يخبزنَ فيهِ.
فسألتُ أبي: لماذا لمْ تزرعْ هذهِ الحقولُ الآنَ؟
قالَ: لقدْ أصبحتْ الزراعةُ مكلفةً؛ لوجودِ القمحِ المستوردِ منْ خارجِ البلادِ وسعرهُ أرخصُ بكثيرٍ منْ سعرِ القمحِ البلدي.
فسألتُ أبي: أيهما أشهى خبزُ مخابزنا الحديثةِ أمْ خبزُ الطّابونِ؟
فأجابني مبتسمًا: خبزُ جدّتِكَ الّذي كانتْ تعجنُهُ بيديها وتخبزهُ بفرنِ الطّابونِ؛ فلا خيرَ في قومٍ يأكلونَ ممّا لا يزرعونَ.